ابن عربي
234
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
أن كل ما ظهر في العالم هو فيه ، فكل مولد يجمع حقائق ما فوقه حتى ينتهي إلى الإنسان ، وهو آخر مولد ، [ الإنسان الكامل إنسان عين الوجود : ] فتجمع فيه جميع قوى العالم والأسماء الإلهية بكمالها فسمي إنسانا لعموم نشأته وحصره الحقائق كلها ، وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي يكون به النظر ، وهو المعبر عنه بالبصر ، فلهذا سمي إنسانا ، فإنه به نظر الحق سبحانه إلى خلقه فرحمهم ، فلا موجود أكمل من الإنسان الكامل ، ومن لم يكمل في الدنيا من الأناسي فهو حيوان ناطق ، جزء من الصورة ، لا يلحق بدرجة الإنسان ، بل نسبته إلى الإنسان نسبة جسد الميت إلى الإنسان ، فهو إنسان بالشكل لا بالحقيقة ، فالإنسان هو العين المقصودة ، وهو مجموع الحكم ، ومن أجله خلقت الجنة والنار ، والدنيا والآخرة ، والأحوال كلها والكيفيات ، وفيه ظهر مجموع الأسماء الإلهية وآثارها ، فهو المنعّم والمعذّب ، والمرحوم والمعاقب ، ثم جعل له أن يعذب وينعم ويرحم ويعاقب ، وهو المكلف المختار ، وهو المجبور في اختياره ، وله يتجلى الحق بالحكم والقضاء والفصل ، وعليه مدار العالم كله ، ومن أجله كانت القيامة ، وبه أخذ الجان ، وله سخر ما في السماوات وما في الأرض ، ففي حاجته يتحرك العالم كله علوا وسفلا ، دنيا وآخرة ، وجعل نوع هذا الإنسان متفاوت الدرجات ، فسخر بعضه لبعضه ، وسخره لبعض العالم ليعود نفع ذلك عليه ، فما سخر إلا في حقّ نفسه ، وانتفع ذلك الآخر بالعرض ، وما خص أحد من خلق اللّه بالخلافة إلا هذا النوع الإنساني ، وملّكه أزمة المنع والعطاء ، فالسعداء خلفاء ونواب ، ومن دون السعداء فنواب لا خلفاء ، ينوبون عن أسماء اللّه في ظهور حكم آثارها في العالم على أيديهم ، وقدم اللّه الإنس على الجان في آيات هذه السورة ، وفي قوله تعالى : « خَلَقَ الْإِنْسانَ » فابتدأ به تقديرا ومرتبة نطقية ، تهمما به على الجن ، وإن كان الجن موجودا قبله ، يؤذن بأنه وإن تأخرت نشأته فهو المعتنى به في غيب ربه ، لأنه المقصود من العالم لما خصه به من كمال الصورة في خلقه باليدين [ إشارة واعتبار : العوالم أربعة ] - إشارة واعتبار - اعلم أن العوالم أربعة : العالم الأعلى وهو عالم البقاء ، ثم عالم الاستحالة وهو عالم الفناء ، ثم عالم التعمير وهو عالم البقاء والفناء ، ثم عالم النسب ، وهذه العوالم في موطنين : في العالم الأكبر وهو ما خرج عن الإنسان ، وفي العالم الأصغر وهو الإنسان ، ( فأما العالم الأعلى ) فالحقيقة المحمدية وفلكها الحياة ، نظيرها من الإنسان اللطيفة والروح القدسي ، ومنهم العرش المحيط ، ونظيره من الإنسان الجسم ، ومن ذلك الكرسي ،